ابن حزم
442
الاحكام
فصل في رد المؤلف على القائلين قال أبو محمد : قال بعض القائلين - وقد ذكر النسخ وارتفاع اللفظ المنسوخ فقال : وهذا وجه من وجوه الحكمة ، يجوز أن يكون علم الله تعالى أن يرفع هذا اللفظ يصلح ما لا يصلح ببقائه ، وذلك أنه إذا رفع تعالى الكل فقد علم أننا سنقبل على الامر الناسخ ، ولا تتداخلنا فيه الشكوك ، لان الله تعالى علم أن سيكون قوم من خلقه يبطلون النسخ ، فكانوا يضلون ببقاء اللفظ المنسوخ فرفعه لهذا المعنى . قال أبو محمد : وهذا من أفسد قول في الأرض وأسقطه ، ويقال لمن قال بهذا الهجر : أكان الله تعالى غير قادر من وجوه الصلاح على أكثر من أن يرفع بعض كلامه لئلا يضل به قوم من خلقه ؟ أو كان قادرا على أن يكفيهم هذه المؤنة كلها ، ويهديهم بأن يبين لهم المنسوخ بيانا جليا يرفع به عنهم الشكوك والحيرة ؟ فإن قال : لم يقدر الله تعالى على أكثر ، كفر ووصف نفسه من القدرة بأكثر مما وصف به خالقه عز وجل لأنه دائبا يشرح بزعمه ، ويبين ليهدي الناس فيما يدعي ، وإن قال : بل إنه تعالى قادر على ما ذكرت ، قيل له : فقد فعل ما غيره أصلح لهم منه ، وهذا ضد مذهبك الفاسد . ويقال له أيضا : إذا كانت الحكمة عندك رفع لفظ بعض المنسوخ جملة ، لئلا يضل به قوم ، فلأي شئ أبقى تعالى لفظا آخر منسوخا حتى ضل به جماعة أنت أحدهم ؟ في أشياء كثيرة تدعي أنت فيها النسخ ويخالفك فيها غيرك ، وأشياء كثيرة تدعي أنت أنها غير منسوخة ويدعي غيرك فيها النسخ ، فأين تلك الحكمة التي تطالب بها ربك تعالى ؟ وما الذي جعل رفع ما رفع أولى بالرفع من المنسوخ الذي أبقي لفظه ، حتى تحيرت فيه طوائف من أهل الملة ؟ وما الذي جعل إبقاء ما أبقي لفظه المنسوخ أولى بالابقاء مما رفع لفظه من المنسوخ ؟ وما الذي أوجب نقض الحكم بما كان أمس فرضا ثم حرم اليوم ، أو ما كان حراما أمس ثم أبيح اليوم ؟ وهل هذا هنا حال استحالت أو طبيعة انتقضت ، فأوجب ذلك تبديل الشرائع ، إن هذا لهو الضلال البعيد ، والغناء الشديد ، والجهل المظلم ، والقحة الزائدة ، وما